الوطن سبورت | د. إبراهيم مجدي حسين يكتب: بعد كسر عقدة الـ16.. هل يتحول حلم مونديال 2030 إلى مشروع وطني؟

بمجرد أن أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً خروج المنتخب المصري أمام الأرجنتين من دور الـ16 في كأس العالم 2026، خيّم الحزن على الشوارع والبيوت، كان حزناً طبيعياً، ومبرراً كالعادة بلوم بعض القرارات التحكيمية التي يرى الكثيرون أنها غيرت مجرى اللقاء، لكن، إذا ما حصرنا أنفسنا في حدود نتيجة مباراة واحدة، سنفقد القدرة على رؤية التحول الأعمق والأكبر الذي طرأ على «العقل الجمعي» للمصريين في هذه البطولة.
قبل سنوات ليست بعيدة، كان مجرد الصعود لكأس العالم يمثل منتهى طموحنا وحلماً بعيد المنال، وحين تحقق تحول إلى إنجاز تاريخي نكتفي به، أما اليوم، فنحن نبكي ونحزن لأننا ودعنا البطولة من دور الستة عشر! هذا التحول في المشاعر ليس تراجعاً على الإطلاق، بل هو الدليل الأبرز على أن سقف الطموح المصري قد ارتفع إلى السماء.
في علم النفس الرياضي، نطلق على هذه الحالة «الانتقال من سيكولوجية المشاركة إلى سيكولوجية المنافسة»، لقد توقف الشارع المصري عن قناعة التمثيل المشرف، وبات يؤمن عن حق بأننا قادرون على الوقوف نداً لند ومقارعة كبار اللعبة وهزيمتهم، هذا التطور الإدراكي في حد ذاته هو الانتصار الحقيقي الذي تحقق خلف الكواليس.
رسالة من القمة: إعادة بناء الثقة وتجاوز الإحباط
في أعقاب البطولة، حمل استقبال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي للاعبين وتجديد الثقة في الجهاز الفني بقيادة الكابتن حسام حسن دلالة نفسية بالغة الأهمية تتجاوز مجرد الدعم الرياضي التقليدي.
في سياق علم نفس القيادة، لا يقتصر تأثير هذه اللقاءات الرسمية على معنويات اللاعبين داخل المعسكر فحسب، بل يمتد مباشرة إلى وجدان الجماهير. عندما يرى المجتمع أن الإنجاز يُقدَّر، وأن التعثر الإيجابي لا يُقابل بالهدم أو العقاب والتنكيل، تترسخ ثقافة الاستقرار.
هذه الخطوة تساهم بشكل مباشر في القضاء على «ثقافة كبش الفداء» التي لطالما دمرت أجيالاً كروية واعدة عقب كل بطولة، وتمنح حسام حسن ورجاله الأرضية الصلبة للبناء التراكمي المستقر الذي تحتاجه المنتخبات الكبرى لتصل إلى منصات التتويج.
معجزة الاستمرارية.. هل يفعلها محمد صلاح في 2030؟
لسنوات طويلة، استقرت في الأذهان فكرة تقليدية ترى أن لاعب كرة القدم يلفظ أنفاسه الكروية الأخيرة بمجرد ملامسة منتصف الثلاثينيات لكن كرة القدم الحديثة نسفت هذا المعتقد تماماً.
لقد قدم ميسي ورونالدو نموذجاً حياً للاعب الذي يتحدى الزمن ويحافظ على بريقه في أواخر الثلاثينيات وحتى أعتاب الأربعينيات، بفضل الانضباط الصارم، والتخطيط البدني الدقيق، والاستقرار الذهني والنفسي، ومحمد صلاح يمتلك اليوم كافة المقومات التي تجعله قادراً على تكرار هذه المعجزة والاستمرار حتى مونديال 2030.
صلاح يملك انضباطاً احترافياً بمقاييس عالمية، وعناية فائقة بنظامه الغذائي والاستشفائي، فضلاً عن استقراره الأسري والذهني وخبرته التراكمية الطويلة في التعامل مع أقسى أنواع الضغوط، بقاء صلاح مع المنتخب حتى المونديال القادم ليس سيناريو خيالياً، بل هو احتمال واقعي جداً، شريطة أن تخدمه الظروف البدنية والفنية وتستمر الرغبة المشتعلة بداخله.
حسام حسن.. من مدرب بطولة إلى صانع ثقافة
السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه الآن لا يتعلق بمباراة الأرجنتين، بل بالهوية المستقبيلة للفريق: هل يستطيع حسام حسن بناء ثقافة الفوز الدائمة؟
إن عظمة القائد الرياضي لا تقاس بالأرقام والانتصارات اللحظية، بل بقدرته على غرس عقلية جديدة داخل نفوس لاعبيه وتغيير مفاهيمهم عن قدراتهم وإذا نجح حسام حسن في الحفاظ على تلك الروح القتالية الشرسة التي رأيناها وتوطينها كمنهج حياة للمنتخب، فإنه سينتقل من مجرد مدرب حقق طفرة مؤقتة، إلى مؤسس لمشروع كروي وطني يمتد لأجيال.
وهنا يبرز التحدي الأصعب الذي يواجهنا دائما: ماذا بعد صلاح؟
إن أي مشروع رياضي يرتبط بقاؤه بوجود نجم واحد هو مشروع هش ومحكوم عليه بالفناء فور غياب هذا النجم لكن، إذا نجحنا في تحويل خبرات صلاح التراكمية واحترافيته إلى «ثقافة مؤسسية» تدرس للأجيال الجديدة داخل المنتخب، فإن تأثيره سيظل حياً وممتداً لعقود، سواء كملهم للشباب، أو من خلال أي دور فني أو إداري يقرر خوضه مستقبلاً.
إدارة التوقعات.. الفارق بين الحافز والضغط المدمر
لعل أخطر ما ينتظر الفراعنة في المرحلة المقبلة هو كيفية إدارة سقف التوقعات الجماهيرية. نعم، ارتفاع الطموح يمنح اللاعبين طاقة جبارة للقتال، لكنه قد يتحول في لحظة إلى عبء وضغط معنوي مدمر إذا ما تعامل الشارع مع أي كبوة أو تعثر على أنه فشل مطلق ونهاية العالم ومن هنا تبرز أهمية صياغة وعي رياضي مجتمعي يرى في الإنجاز مجرد محطة في رحلة طويلة، وليس خط النهاية.
كلمة أخيرة
ربما ودعنا دور الستة عشر وحزمنا حقائبنا مبكراً، لكننا خرجنا بصورة مختلفة تماماً في عيون أنفسنا وعيون العالم. المنتخبات الكبرى لا تولد بين عشية وضحاها، بل تُبنى عندما يصبح التفوق هو المعيار العادي، وعندما يتغير سؤالنا الأزلي من: «هل سننجح في التأهل؟» لـ«إلى أي مدى يمكننا الذهاب في هذه البطولة؟».
إذا حافظنا على استقرارنا الفني، واستثمرنا في قيمة صلاح الملهمة، وواصلنا البناء بصبر على جيل حسام حسن الواعد، فلن يكون مونديال 2030 مجرد حلم دافئ يراودنا، بل سيكون محطة قطاف لرحلة وطنية بدأت خطواتها بالفعل.




