الوطن سبورت | ظاهرة معتمد جمال

فى كرة القدم المصرية اعتدنا سريعاً أن نصنع الأصنام، والأسرع من ذلك أن نهدمها. مباراة واحدة كفيلة بأن تتحول فيها عبارات الإشادة إلى سكاكين، والهتافات إلى اتهامات، والمدرب الذى كان بطلاً قبل أيام يصبح فجأة مسئولاً عن كل شىء. لذلك يبدو الحديث عن معتمد جمال اليوم ضرورة، لا دفاعاً عن شخص، بل دفاعاً عن قيمة حقيقية ظهرت هذا الموسم وسط ضجيج التعصب والمقارنات الفارغة.
معتمد جمال ليس مجرد مدرب قاد فريقه إلى نهائى الكونفيدرالية ثم خسره، كما يحاول البعض اختصار الحكاية.
الرجل تسلَّم فريقاً محاصراً بالأزمات، مثقلاً بالديون، يعانى من إيقاف القيد، وتأخُّر المستحقات، ونقص العناصر، وفوضى إدارية لا تخفى على أحد. ومع ذلك استطاع فى فترة قصيرة أن يصنع فريقاً يملك شخصية وروحاً، ويقاتل على الدورى حتى اللحظة الأخيرة، ويصل إلى أبعد نقطة ممكنة فى بطولة قارية.
ما حققه الزمالك هذا الموسم لم يكن منطقياً إذا نظرنا فقط إلى الأسماء والإمكانيات. الفريق لا يمتلك قائمة مرصَّعة بالنجوم، ولا دكة بدلاء تستطيع تغيير شكل المباريات، بل إن الحقيقة التى يعرفها الجميع أن أغلب عناصر الفريق من اللاعبين متوسطى المستوى، باستثناء لاعب أو اثنين فقط يملكان الفارق الفنى الحقيقى. ومع ذلك نجح معتمد جمال فى تحويل هذه المجموعة إلى فريق يلعب بروح واحدة، ويؤمن بحلمه حتى النهاية.
فى الوقت الذى تنفق فيه أندية أخرى مليارات الجنيهات على صفقات ومدربين أجانب دون أن تقدم أداءً مقنعاً أو تحقق بطولات. كان معتمد جمال، صاحب أقل راتب تقريباً بين مدربى فرق القمة، يطاردهم جميعاً ويضع الزمالك على قمة الدورى، ويجبر الجميع على احترام فريقه حتى وهم يدركون حجم الفوارق فى الإمكانيات.
الحديث عن معتمد جمال ليس محاولة لصناعة تريند رياضى رخيص، ولا للدخول فى مقارنات مستهلكة بين الأهلى والزمالك. القضية أكبر من ذلك. ما يحدث مع معتمد جمال هذا الموسم هو ظاهرة تستحق التقدير؛ لأنها تعيد الاعتبار لفكرة المدرب المصرى الذى يعمل فى ظروف قاسية، ويتحمل ما لا يقبله كثير من المدربين الأجانب.
وعلى المستوى الأخلاقى، قدَّم الرجل نموذجاً نادراً فى الكرة المصرية. لم يخرج منه تصريح واحد يُغذى الكراهية أو يُشعل التعصب بين الجماهير. تحدَّث دائماً باحترام عن منافسيه، سواء من هزمهم أو من هُزم منهم. لم يبحث عن بطولات كلامية، ولم يحاول صناعة عداوات لجذب الأضواء، بل ركَّز فقط على فريقه وعمله داخل الملعب.
الأهم من ذلك أنه استطاع أن يفعل شيئاً غاب كثيراً عن الزمالك فى السنوات الأخيرة: أن يجعل الفريق كله على قلب رجل واحد. لم يعد هناك لاعب يتصرف باعتباره النجم الأوحد أو الاسم الأكبر. الجميع أصبح يعمل من أجل الشعار فقط، والجميع أدرك أن اللاعب رقم واحد هذا الموسم هو جمهور الزمالك.
هذا الجمهور الذى لم يترك فريقه فى لحظة، لا وقت الانتصارات فقط، بل حتى فى أقسى الهزائم. يكفى أن جماهير الزمالك صفقت للفريق بعد خسارة القمة بثلاثية أمام الأهلى، رغم قسوة النتيجة؛ لأنها كانت تدرك جيداً أن هذا الفريق لا يملك رفاهية المنافسة الطبيعية، وأنه ما زال فى مرحلة بناء شاقة وسط حصار من الديون والغرامات وإيقاف القيد وتأخُّر الرواتب. لكنها أيضاً كانت ترى شيئاً أهم من النتيجة: الروح.
معتمد جمال رفع سقف أحلام جماهير الزمالك من جديد. جعلهم يشعرون أن فريقهم قادر على تحقيق شىء، حتى وهو لا يمتلك سوى الإصرار وبعض اللمحات الفردية، ولاعب برازيلى يجيد المراوغة والتمرير، وهى التفاصيل التى يعشقها جمهور الزمالك بطبيعته. أعاد إليهم الإحساس بأن كرة القدم ليست فقط أموالاً وصفقات، بل روحاً وتحدياً وقدرة على تجاوز المستحيل.
محاولة هدم تجربة معتمد جمال اليوم ليست فى مصلحة الكرة المصرية. لأن نجاحه، مثل نجاح على ماهر وأيمن الرمادى وحمزة الجمل وغيرهم من المدربين المصريين، يثبت أن المدرب المحلى قادر على النجاح إذا حصل على الثقة والدعم. هؤلاء يعملون فى ظروف صعبة للغاية، يتحملون ضغوطاً إدارية وجماهيرية هائلة، ويقبلون التحديات التى يرفضها كثير من الأجانب، ثم ينجحون رغم كل شىء.
الأمر نفسه حدث من قبل مع حسام حسن، الذى قاد منتخب مصر إلى كأس العالم وحقق أقصى ما يستطيع فى بطولة أفريقيا، لكن البعض حاول ذبحه بدافع الغيرة والتعصب، لا بدافع النقد الحقيقى.
النقد حق طبيعى، ولا أحد فوق التقييم، لكن هناك فارقاً كبيراً بين النقد ومحاولات الهدم. معتمد جمال قدَّم كل ما يستطيع، وربما أكثر مما تسمح به إمكانيات فريقه. كان من السهل عليه أن يكون واقعياً أكثر من اللازم، وأن يخرج للجماهير معلناً أنه لا يعدهم بشىء، لأنه ببساطة لا يملك الأدوات الكاملة للمنافسة.
لا يملك دكة قوية، ولا قائمة متكاملة، ولا استقراراً إدارياً أو مالياً. ومع ذلك اختار أن يقاتل، وأن يجعل فريقه يقاتل معه.
فكيف لا يستحق هذا التقدير؟ كيف لا تستحق هذه المجموعة الاحترام بعدما وصلت إلى نهائى الكونفيدرالية، وقاتلت حتى آخر لحظة على لقب الدورى، ومنحت جماهير الزمالك موسماً استثنائياً فى الروح والتحدى والانتماء؟
إن ما فعله معتمد جمال هذا الموسم يجب أن يكون بداية لدعم التجارب الجادة، لا البحث عن كبش فداء جديد لإخفاء أخطاء الإدارات. لأن أسهل شىء فى كرة القدم المصرية هو تحميل المدرب المسئولية كاملة، بينما يبقى أصحاب القرار فى أماكنهم بلا حساب.
لا تهدموا تجربة معتمد جمال. لا تقتلوا الحلم الوحيد الجميل الذى عاشه جمهور الزمالك هذا الموسم. فالرجل ولاعبوه لم يمنحوا الجماهير بطولة مؤكدة، لكنهم منحوا النادى شيئاً لا يقل أهمية: الكرامة، والروح، والإيمان بأن الزمالك يستطيع الوقوف مجدداً مهما كانت الظروف.




